ابن تيمية

106

مجموعة الفتاوى

وَنَظِيرَ هَذَا لَفْظُ " الْقَضَاء " فَإِنَّهُ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ الرَّسُولِ الْمُرَادُ بِهِ إتْمَامُ الْعِبَادَةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } وَقَوْلِهِ : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ } ثُمَّ اصْطَلَحَ طَائِفَةٌ مِن الفُقَهَاءِ فَجَعَلُوا لَفْظَ " الْقَضَاءِ " مُخْتَصّاً بِفِعْلِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا وَلَفْظَ " الْأَدَاءِ " مُخْتَصّاً بِمَا يُفْعَلُ فِي الْوَقْتِ وَهَذَا التَّفْرِيقُ لَا يُعْرَفُ قَطُّ فِي كَلَامِ الرَّسُولِ ثُمَّ يَقُولُونَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ الْقَضَاءِ فِي الْأَدَاءِ فَيَجْعَلُونَ اللُّغَةَ الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَا مِن النَّادِرِ . وَلِهَذَا يَتَنَازَعُونَ فِي مُرَادِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا } " وَفِي لَفْظٍ : " { فَأَتِمُّوا } " فَيَظُنُّونَ أَنَّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ خِلَافاً وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ؛ بَلْ قَوْلُهُ : " فَاقْضُوا " كَقَوْلِهِ : " فَأَتِمُّوا " لَمْ يُرِدْ بِأَحَدِهِمَا الْفِعْلَ بَعْدَ الْوَقْتِ ؛ بَلْ لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ أَمْرٌ بِالْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا لَكِنَّ الْوَقْتَ وَقْتَانِ : وَقْتٌ عَامٌّ وَوَقْتٌ خَاصٌّ لِأَهْلِ الْأَعْذَارِ : كَالنَّائِمِ وَالنَّاسِي إذَا صَلَّيَا بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ وَالذِّكْرِ فَإِنَّمَا صَلَّيَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ وَقْتاً فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا .